مؤسسة رفيق الحريري: صفة المنفعة العامة ومسؤولية حماية الأصول
قبل أن نتابع رواية ما جرى لمستوصف الحريري، لا بد من التوقف عند مسألة أساسية قد لا يعرف كثيرون أبعادها: ما الطبيعة القانونية لأموال المؤسسات الخيرية؟ وما حدود صلاحيات الأشخاص الذين يتولّون إدارتها؟ ولماذا لا يمكن التعامل مع أصول المؤسسات ذات المنفعة العامة باعتبارها ملكا شخصيا لمن يشغلون مواقع القرار فيها؟
إن فهم هذه المسائل ضروري لفهم ما نطرحه بشأن مؤسسة رفيق الحريري، وتقييم القرارات التي طالت مؤسساتها ومراكزها وأصولها، بعيدا عن الانطباعات والأحكام المسبقة.
أولا: صفة المنفعة العامة ثابتة بمرسوم جمهوري
ليست صفة المنفعة العامة التي تتمتع بها مؤسسة رفيق الحريري مجرد وصف معنوي أو عنوان إعلامي، فهي ثابتة بموجب المرسوم رقم ٤٠١٦ الصادر في ١٨ آب ١٩٩٣، والمنشور في الجريدة الرسمية، العدد ٣٨، بتاريخ ٢٣ أيلول ١٩٩٣، تحت عنوان: «منح صفة المنفعة العامة لجمعية مؤسسة الحريري الخيرية» والتي عدل إسمها لاحقا إلى مؤسسة رفيق الحريري.
وقد نصت المادة الأولى من المرسوم على منح جمعية مؤسسة الحريري الخيرية صفة المنفعة العامة في لبنان. أما المادة الثانية، فقد نصت على أن المؤسسة تعمل على تحقيق أهدافها وفقا لنظامها الأساسي، وتخضع للرقابة، وتستفيد من المنافع المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي رقم ٨٧ تاريخ ٣٠ حزيران ١٩٧٧ المتعلق بالمؤسسات ذات المنفعة العامة.
وهذا النص الرسمي يضعنا أمام حقيقة أساسية: إن المؤسسة ليست مجرد كيان خاص يدير أصحابه أموالهم وفق إرادتهم الشخصية، بل جمعية مُنحت صفة قانونية ترتبط بأهدافها وبالإطار التشريعي الذي ينظم عملها.
ثانيًا: الإدارة لا تعني الملكية
من المبادئ الأساسية التي ينبغي الانطلاق منها أن تولّي إدارة مؤسسة خيرية لا يجعل أموالها وموجوداتها ملكا شخصيا لمن يتولّى إدارتها، مهما علا موقعه أو اتسعت صلاحياته.
فهناك فرق جوهري بين إدارة الأصول في إطار الغايات التي أُنشئت المؤسسة لتحقيقها، وبين التصرف بها لمصلحة شخصية أو لغاية تتعارض مع أهدافها ونظامها الأساسي.
ومن هنا، فإن رئاسة مجلس الأمناء، على أهميتها، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حقا مطلقا في التصرف بأصول المؤسسة، بل يجب تحديد صلاحيات رئيسة المجلس وسائر المسؤولين بالرجوع إلى القانون والنظام الأساسي والقرارات الصحيحة الصادرة عن الهيئات المختصة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس مَن يشغل موقع القرار فحسب، بل أيضا: ما حدود هذا القرار؟ وهل اتُّخذت التصرفات المتعلقة بالأصول وفق الأصول القانونية، ولتحقيق أهداف المؤسسة، وبما يحفظ حقوقها والتزاماتها؟
ثالثًا: المنفعة العامة والأمانة في إدارة الأموال
إن صفة المنفعة العامة تضع نشاط المؤسسة ضمن إطار غايته خدمة المصلحة العامة، وفقا للقوانين والأنظمة التي تحكمها. ولا يجوز التعامل مع هذه الصفة باعتبارها مجرد عنوان يُستحضر عند الحاجة، ثم يُهمَل عندما تصبح المحافظة على الأصول أو استمرار الخدمات عبئا ماليا أو إداريا.
وهنا لا بد من التمييز بين مفهوم المؤسسة ذات المنفعة العامة ومفهوم الوقف بالمعنى الشرعي والقانوني. فليس كل مال تملكه مؤسسة ذات منفعة عامة وقفا بالضرورة، إذ يتوقف وصف الوقف على طبيعة المال وسند تخصيصه والوثائق والأحكام ذات الصلة. لكن ذلك لا يعني أن أصول المؤسسة مباحة للتصرف الشخصي، بل إن مشروعية التصرف بها وحدوده تُحدَّد وفقا للقانون والنظام الأساسي والغايات التي خُصصت لها.
أما الأموال أو العقارات التي يثبت أنها موقوفة فعلا، فتُبحث أحكامها وآثارها على أساس سند الوقف والقواعد القانونية والشرعية المنطبقة عليها.
وفي حالة مؤسسة ارتبط اسمها برسالة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الاجتماعية والإنسانية، تزداد أهمية السؤال عن مدى الالتزام بالغاية التي أُنشئت من أجلها مؤسساتها، وعن كيفية حماية الموارد التي تتيح لها مواصلة تقديم الخدمات.
رابعا: هل يجوز التصرف بأصول المؤسسة من دون ضوابط؟
إن بيع أصل من أصول مؤسسة خيرية أو إقفال أحد مراكزها ليس دليلا على مخالفة قانونية بحد ذاته، فقد تفرض الظروف المالية قرارات صعبة، وقد يكون بعضها مشروعا إذا اتُّخذ من الجهة المختصة، ووفق الإجراءات المطلوبة، وبما ينسجم مع أهداف المؤسسة.
لكن الأمر يختلف إذا أظهرت المستندات أن تصرفا ما جرى خارج حدود الصلاحيات، أو خالف النظام الأساسي، أو أضرّ بأموال المؤسسة لتحقيق منفعة غير مشروعة، أو انطوى على إساءة ائتمان أو جرم آخر تتوافر عناصره القانونية.
عندها، لا يعود الأمر مجرد خلاف على أسلوب الإدارة، بل يصبح موضوعا يستدعي التحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات وفقا للقانون.
ولهذا، فإن تقييم أي تصرف منسوب إلى رئيسة مجلس الأمناء أو إلى أي مسؤول آخر يجب أن يستند إلى الوقائع، ومنها قرارات مجلس الأمناء ومحاضر الاجتماعات وسندات الملكية والعقود والتقارير المالية، وأي موافقات أو أذونات يفرضها القانون أو النظام الأساسي.
خامسا: متى تصبح المسألة شأنا قضائيا يتجاوز الخلاف الإداري؟
إن الأموال التي جُمعت أو خُصصت لخدمة أهداف اجتماعية وإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى موضوع نزاع شخصي، ولا أن تُدار بمعزل عن الغايات التي وُجدت المؤسسة لتحقيقها.
ومن هنا، فإن أي شبهة جدية تتعلق بالتصرف بأصول مؤسسة ذات منفعة عامة تستحق التحقق. فإذا كشفت المستندات عن أفعال يُشتبه في أنها تشكّل جرائم، فقد يستدعي الأمر تحريك الملاحقة أمام الجهات القضائية المختصة، وفقا للأصول القانونية، وتحديد ما إذا كان الفعل يمسّ حقوق المؤسسة أو المصلحة العامة، بحسب طبيعته والنصوص المنطبقة عليه.
إن صفة المنفعة العامة وحدها لا تثبت وقوع جريمة، لكنها تجعل من الضروري النظر إلى إدارة المؤسسة وأصولها في ضوء القوانين والرقابة المقررة لها. أما تحديد ما إذا كان تصرف بعينه يشكل مخالفة أو جرما، وما إذا كانت الملاحقة من مقتضيات الحق العام، فيبقى مرتبطا بطبيعة الفعل والأدلة والنص القانوني الواجب التطبيق.
وهذا هو جوهر المسألة التي نريد طرحها أمام الرأي العام: ليس المطلوب إدانة أحد عبر مقال، بل المطالبة بتطبيق القانون على الجميع، وبأن تكون الأصول المخصصة لخدمة الناس موضع حماية ومساءلة، لا موضع تصرف لا يخضع للتحقق.
سادسا: لماذا نطرح هذه الأسئلة اليوم؟
لأن ما جرى لمستوصف الحريري، وما سنرويه عن محاولات إعادة تشغيله وتسديد ديونه والحفاظ على رسالته، لا يمكن فصله عن السؤال الأوسع المتعلق بمصير أصول مؤسسة رفيق الحريري وغاياتها.
إننا نريد أن نبيّن ما نعتقد أنه تجاوز للصلاحيات أو إخلال بالأمانة، مع ترك التوصيف القانوني النهائي للجهات المختصة.
كما نريد أن نميّز بين من تولّى مسؤولية إدارة الأصول، ومن تحمل تبعات القرارات التي طالتها، وأن نفتح نقاشا جديا حول مدى الالتزام بالرسالة التي قامت عليها المؤسسة، وبالضوابط التي تحكم المؤسسات ذات المنفعة العامة.
فالمناصب، مهما علت، لا ينبغي أن تكون فوق المساءلة، كما أن الاتهام، مهما كان جديا، يجب أن يُبنى على أدلة قابلة للتحقق.
إن المنفعة العامة ليست امتيازا لأصحاب المناصب، بل مسؤولية تجاه الناس. والأمانة لا تُقاس بمن يتولى إدارة المال، بل بمدى التزامه بالغاية التي خُصص المال من أجلها.
وهذه ليست نهاية الأسئلة، بل بداية البحث في الوقائع التي ستكشف للرأي العام ما جرى، وتتيح له أن يميّز بين الادعاء والحقيقة، وبين السلطة والمسؤولية، وبين إدارة الأمانة والمحافظة عليها.
يتبع.... من أراد لمستوصف الحريري أن يختفي؟ ولماذا؟